مقدمة
“نستطيع أن نُنجز ما هو أفضل”[1] كان عنوان خطاب المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في تشرين الأول/أكتوبر 2024. للوهلة الأولى، قد يوحي العنوان، إلى جانب السطور الافتتاحية من خطابها، بإقرارٍ بالضرر، أو الأخطاء، أو ربما حتى العواقب غير المقصودة لسياسات الصندوق. غير أنّ مجريات الخطاب سرعان ما كشفت أنّ الرسالة كانت عكس ذلك تماماً. فما كانت جورجيفا تقوله في الواقع هو أنّ على صندوق النقد الدولي أن يبذل المزيد من الجهود في استكمال ما يفعله أساساً. وكانت النقطة الأولى التي اختارت أن تسلّط الضوء عليها في أجندتها المحلية، مرةً أخرى، هي أنّ: “الموازنات تحتاج إلى الضبط، بشكل موثوق ولكن تدريجي، في معظم البلدان“.[2]
هذا التباين بين الوعد الذي يحمله العنوان “نستطيع أن نُنجز ما هو أفضل” وبين الإصرار المستمر على السياسات الضارة، يلخّص الحجة الأساسية التي تنطلق منها هذه الورقة. فعلى مدى أكثر من عقد، دأبت منظمات المجتمع المدني في المنطقة العربية على الدعوة إلى إحداث تحوّل في سياسات المؤسسات المالية الدولية (sIFI)، ولا سيّما فيما يتعلق بالتقشف، أو ما يطلق عليه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اسم “الضبط المالي”، وتداعيات هذه المُقاربة على السياسات الاجتماعية وأنظمة الحماية الاجتماعية. وقد أسفرت هذه الجهود عن إنتاج كمٍّ وافرٍ من البيانات والأبحاث التي تُظهر بشكلٍ لا لبس فيه الأثر المدمّر للسياسات المدعومة من المؤسسات المالية الدولية، لا سيّما على الفئات الأكثر تهميشاً.[3] وقد شهد دور صندوق النقد الدولي في المنطقة عودةً لافتة بعد الانتفاضات العربية في عام 2011. فبين عامي 2010 و2024، بلغت قيمة اتفاقيات القروض التي أبرمها الصندوق في المنطقة العربية حوالي 161 مليار دولار.[4] في استجابة سريعة للأحداث في المنطقة، ومنذ اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 2011، أعلن المدير العام آنذاك التزام الصندوق الكامل بـ “مساعدة دوله الأعضاء من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على تحقيق أهدافها المتمثّلة في النمو المستدام والشامل، والاستقرار الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة”،[5] في إشارة مبكّرة وواضحة إلى المسار الذي سيتبلور لاحقاً. ويعكس التركيز على النمو الشامل وتحسين مستويات المعيشة في هذا التصريح التحوّل الذي طرأ على خطاب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المنطقة بعد عام 2011، فضلاً عن التحوّل الأوسع الذي جاء استجابةً للأزمة المالية العالمية في عام 2008.[6] وفي هذا السياق، يوضح موماني ولانز (2014) أنّ التركيز على النمو المستدام والشامل في خطاب صندوق النقد الدولي، وما يحمله من دلالات على مقاربته للسياسات الاجتماعية، لم يبدأ بالظهور في الوثائق ومواد التواصل الرسمية لصندوق النقد الدولي في المنطقة إلا بعد انتفاضات عام 2011.[7]
في حين لا يمكن إنكار أنّ خطابات كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد شهدت، في السنوات الأخيرة، تحوّلات لافتة نحو إدراج قضايا النمو الشامل، واللامساواة، والسياسات الاجتماعية، على الصعيدين العالمي والإقليمي، إلّا أن الشكاوى المرتبطة بالآثار الضارة لسياساتهما ما تزال، مع ذلك، مرتفعة. تتناول هذه الورقة هذا الخطاب، وكيفية عمله، وتأثيره على الجهات الفاعلة في مجال المناصرة. من خلال تحليل الخطاب، المدعوم بمراجعة أدبيات، وتحليلٍ كميّ لتواتر الكلمات والمصطلحات في أدبيات الصندوق والبنك الدولي، ومقابلات مع مخبرين رئيسيين، تطرح الورقة بأن التحول الخطابي لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعكس الاستمرارية أكثر ممّا يعكس التغيير: فبينما تطورت اللغة المستخدمة لتبدو أكثر استجابةً للواقع الاجتماعي ، ظلّت الأطر السياساتية الأساسية ثابتة دون تغيير يُذكر، ومتماسكة في طابعها النيوليبرالي. كما تدرس الورقة الكيفية التي يختبر بها فاعلو المجتمع المدني والجهات الفاعلة في مجال المناصرة هذه التحولات ويتعاملون معها، حيث غالبًا ما يجدون جهودهم مُعاد توجيهها نحو النزاع حول المعاني والتعريفات بدلاً من السياسات ذاتها. وبناءً على ذلك، تتناول هذه الورقة سؤالين رئيسيين: ما هي الأهداف التي تخدمها التحوّلات في خطاب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؟ وكيف يتفاوض الفاعلون في مجال المناصرة في المنطقة العربية مع هذه التحوّلات ويستجيبون لها ؟
أهمية الخطاب: لماذا تعدّ اللغة مسألة محورية؟
على الرغم من أنّ اللّغة المستخدمة من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي قد شهدت تطوّراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، إلا أنّ هذا التحول الخطابي لم يواكبه تحوّل جوهري في السياسات. فمع أنّ بعض التدابير جرى تعديلها، إلّا أنّ هذه التغييرات لا تمثّل خروجاً عن الإطار النيوليبرالي الأوسع، الذي لا يزال يُعطي الأولوية لتحقيق لاستقرار الاقتصادي الكلّي. وضمن هذا الإطار، لا تزال السياسات الاجتماعية تُستخدم إلى حدٍّ كبير بوصفها آلية تعويضية، لا كنهجًا شاملاً قائمًا على حق الإنسان في الضمان الاجتماعي. وبما أن الإطارين المالي والاقتصادي الكلي يظلّان، في مجملهما، ثابتين دون تغييرٍ يُذكر، يبرز السؤال التالي: لماذا يتغير خطاب المؤسستين، ولأي غاية؟ كما يوضحان بيلاند وبيترسون (2015): “إنّ المصطلحات والاستعارات والمفاهيم التي نستخدمها ليست بريئة على الإطلاق، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراعات السياسية وبالتفاعلات الدولية”.[8] ويؤكدان، فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية، أنّ دراسة الكلمات المختارة تعدّ أساسية لفهم تداعياتها السياسية، خاصة وأن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعتبران “مؤسستين محوريتين في تطوير لغة عالمية للسياسات الاجتماعية “.[9] كما تظهر الأدبيات أنّ العديد من التحليلات التي تناولت التحوّل الخطابي داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تؤكّد أن تغييراً في الخطاب قد حدث بالفعل، غير أنّ هذا التغيير ينبغي التشكيك به والتعامل معه بحذر. إذ تُظهر هذه التحليلات أنّ اعتماد خطاب أكثر انفتاحًا على السياسات ذات التوجه الاجتماعي ترافق مع إعادة صياغة وتأطير السياسات الأساسية المتعلقة بإجماع واشنطن[10] مع الحفاظ على مركزيّتها. وبهذا المعنى، ظلت الافتراضات الاقتصادية الأساسية على حالها؛ فيما جرى توظيف التغيير في الخطاب كاستراتيجية لإضفاء الشرعية، في حين تم استغلال السياسات الاجتماعية وتقليصها إلى سياسات تصحيح السوق، التي تخدم الأهداف الاقتصادية الكلية النيوليبرالية.
أُجريت عدة دراسات تهدف بشكل مباشر إلى التحقيق في طبيعة التحوّل الخطابي واختبار أثره على السياسات الاجتماعية داخل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ففي دراستهما، يفحص كايا ورياي (2019) تطوّر الخطاب المتعلق بإجماع واشنطن داخل صندوق النقد الدولي من خلال إجراء تحليل محتوى لحوالي 1200 وثيقة صادرة عن الصندوق بين عامي 1982 وعام 2011. وقد حدّدا مجموعة من أدوات السياسات العامة الموجهة نحو السوق والمرتبطة بإجماع واشنطن، إلى جانب مجموعة أخرى من الأدوات “ذات التوجّه الاجتماعي والمخفّفة من منطق السوق”، مما يعكس ما أسماه رودريك (2006) بالتحول نحو “إجماعٍ معزّز”، والذي يُعرّف بوصفه صيغة متطوّرة من إجماع واشنطن تُضيف إصلاحات اجتماعية ومؤسسية إلى السياسات الموجّهة نحو السوق. وتُظهر دراستهما أن هذا التحوّل كان، في جوهره، مجزأً ومتأثراً بشكل كبير بالانتقادات التي واجهها الصندوق في أعقاب فشل السياسات المستندة إلى إجماع واشنطن في عدد من البلدان خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي (على سبيل المثال، المكسيك، وشرق آسيا، والبرازيل، وروسيا، إضافةً إلى التطوّرات في أفريقيا بعد برامج القروض في ثمانينيات القرن العشرين). وعلى الرغم من إعادة التركيز المفترض على التنمية الاجتماعية، لا يزال “الإجماع المعزّز” يتضمن عناصر موجهة نحو السوق، مثل تحرير أسواق العمل، واستقلالية المصارف المركزية، وتحرير حساب رأس المال. يشير ذلك إلى أنّه، حتى مع تبني صندوق النقد الدولي لخطاب أكثر انفتاحًا على مقاربات إجتماعية تُخفّف من منطق السوق، فقد أعاد في الوقت نفسه صياغة أدوات إجماع واشنطن الأساسية مع الحفاظ على دورها المركزي في تصميم السياسات.[11] وبالتالي، اقتصر التغيير على إدخال أدوات جديدة ضمن الإطار الاقتصادي الكلّي نفسه، مع الحفاظ على النظر إلى السياسات الاجتماعية باعتبارها أداة اقتصادية في المقام الأول. وبالمثل، تدرس فيترلين (2015) تطوّر خطاب التنمية ولغة السياسات الاجتماعية داخل كلّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وتخلص فيترلين إلى أنه، على الرغم من التطوّر الملحوظ الذي شهدته هذه اللغة عبر الزمن، فإن “الفرضيّات الأساسية التي توجّه تطوير السياسات ظلّت مستقرة”.[12]وبدلاً من تبنّي خطاب مضاد يضع الأسس لنهج تنموي أكثر شمولية، ظلت الاستراتيجية العامة متجذرة في إطار متمركز نحو الاقتصاد. كما تُبيّن الدراسة أنّ الخطاب الناشئ حول “الشراكة” و”الملكية المشتركة” يُستخدم كأداة استراتيجية لتحويل مسؤولية فشل السياسات إلى الدول، وبالتالي، بما يخدم استراتيجية إضفاء وتحسين الشرعية لدى المؤسستين.[13] وتتوافق هذه النتائج مع ما توصّل إليه فارنوورث وإيرفينغ (2014) في تحليلهما لخطابات المديرين العامّين الستة السابقين لصندوق النقد الدولي خلال الفترة الممتدّة بين عامي 1987 و 2014. إذ تؤكد دراستهما أنّه، إدراج مفهوم النمو الشامل بصورة أكثر بروزًا في خطاب الصندوق منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، فإنّ هذا التحول لا يزال سطحيًا، فيما يبقى النمو الاقتصادي في بعده النيوليبرالي التقليدي أولوية أساسية. وكما يجادلان، فإنّ الالتزام الحقيقي بالنمو الشامل يتطلب التزامًا أعمق بسياسات اجتماعية شاملة، والابتعاد عن التوظيف الأدواتي الذي “يُحيل السياسات الاجتماعية إلى تدابير تصحيح السوق بهدف دعم الأهداف الاقتصادية”.[14]
في المنطقة العربية، تكشف دراسة شرّي (2017) حول مشروطية صندوق النقد الدولي ونصائحه السياساتية في كلٍّ من مصر والأردن ولبنان وتونس، عن وجود فجوة واضحة بين الخطاب العلني للمؤسسة وتصميم سياساتها، بما يدعم الشكوك إزاء الادعاءات القائلة بأنّ الصندوق قد ابتعد عن إرثه النيوليبرالي.[15] يتجلى هذا التناقض بشكل خاص في مقاربة الصندوق للسياسات الاجتماعية، التي تظل غامضة وعامة وغير مكتملة مقارنة بالدقّة والوضوح اللذين يميّزان توصياته في مجالي السياسة المالية والنقدية.[16] فبينما يضع الصندوق أهدافًا مفصّلة وقابلة للقياس للمؤشرات الماكرو-اقتصادية، فإن توجيهاته بشأن السياسات الاجتماعية تفتقر إلى هذه الدقة.[17] وتُظهر دراسة شرّي كذلك أن الاستراتيجيات الأساسية وأطر القروض لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في هذه البلدان تركّز باستمرار على النمو الذي يقوده القطاع الخاص، والتقشّف المالي، لا سيّما من خلال إصلاحات الدعم وأنظمة التقاعد، وتحرير أسواق العمل والأسواق المال.[18] وضمن هذا الإطار الاقتصادي السائد، يتم الاعتراف بالأهداف الاجتماعية، غير أنهّا تؤدي دوراًِ داعماً في المقام الأول، يهدف إلى إسناد الأجندة النيوليبرالية الأوس وإضفاء الشرعية عليها. وفي هذا السياق، يقتصر دور الخطاب المتعلق بالسياسات الاجتماعية على كونه أداة لتعزيز الإصلاحات الاقتصادية الكليّة. وكما تبيّن هانيه (2014)، تكشف وثائق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الصادرة عن المنطقة عن إدراك واسع لحالة انعدام الشعبية، وتُظهر لجوء المؤسستين بشكل استراتيجي إلى توظيف لغة الحدّ من الفقر، وخلق فرص العمل، والشفافية، في محاولة للحفاظ على الشرعية والاستمرارية في ظلّ الشكوك الاجتماعية والسياسية.[19]
هناك أبحاث مستفيضة حول أدوار المؤسسات المالية الدولية وتأثيرها على الحماية الاجتماعية والسياسات الاجتماعية في المنطقة العربية. غير أنّ هذه الورقة تسعى إلى معالجة فجوة محددّة من خلال تجاوز التركيز على المؤشرات التقنية والاقتصادية والاجتماعية، والانتقال إلى تحليل لغة التنمية ذاتها والغرض منها. فبينما أشارت دراسات سابقة إلى البُعد الخطابي، إلا أن القليل منها استخدم أدوات متقدّمة لتحليل الخطاب بشكل أكثر شمولية. وتهدف هذه الورقة إلى تقديم رؤى نقدية تتجاوز قياس الأثر المباشر، بما يُسهم في تعميق الفهم للديناميات السياسية الكامنة في هذا النقاش الذي يُقدَّم غالبًا في إطار تقني .
المنهجية
تتبنى هذه الورقة نهج تحليل الخطاب، مدعومًا بمراجعة أدبيات، وتحليلٍ كميّ لتواتر الكلمات والمصطلحات في أدبيات الصندوق والبنك الدولي، إضافةً إلى خلاصات مستمدة من مقابلات مع مخبرين رئيسيين. تستخدم الورقة هذه المصادر المتعدّدة لإثراء لتحليل خطابي لبيانات ومواد التواصل لكلّ منصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في المنطقة العربية ووضعها في سياقها المؤسساتي والسياساتي.
ويُفهم تحليل الخطاب هنا بوصفه إطاراً نظرياً وأداةً منهجية في آن واحد. فمن الناحية النظرية، يعدّ تحليل الخطاب ضروريًا إذ تنطلق الورقة من فرضية أنّ اللغة تبني المعنى وتُستخدم لإضفاء الشرعية على مسارات سياساتية معيّنة.[20] في هذا السياق، يسعى التحليل النقدي للخطاب إلى تفكيك علاقات القوّة الكامنة في اللغة، والكشف عن كيفية توظيفها لتكريس النماذج الاقتصادية المهيمنة وإضفاء الشرعية عليها. ومن الناحية المنهجية، فيحلّل هذا النهج الأنماط والتحوّلات والاستخدامات الاستراتيجية للمصطلحات عبر الزمن. بما يتيح فهم الأولويات المؤسسية والأيديولوجية، ورصد تغيّرها بمرور الوقت، وكيف تنعكس هذه التغيرات في الأنماط اللغوية.
يبدأ التحليل بمراجعة شاملة للأدبيات تتناول تطوّر خطاب المؤسسات المالية الدولية (sIFI)، ودورها التاريخي والمعاصر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إضافةً إلى الأبحاث التي قادتها منظمات المجتمع المدني (CSOs) حول تأثير هذه المؤسسات على السياسات الاجتماعية وسرديات الحماية الاجتماعية. وقد أسهمت مراجعة الأدبيات في بلورة الإطار المفاهيمي الأوّلي للرموز المستخدمة والمصطلحات المستخدمة في تحليل الخطاب.
بالإضافة إلى ذلك، تستند الدراسة إلى سبع مقابلات مع مخبرين رئيسيين أُجريت مع خبراء من المنطقة. وتعكس هذه المقابلات وجهات نظر تقنية وكذلك خبرة في مجال المناصرة، وتقدم رؤى حول كيفية فهم وتفسير خطاب المؤسسات المالية الدولية وتدخلاتها من قبل الجهات الفاعلة الإقليمية. ولا تُستخدم هذه المقابلات لإعطاء أي صفة تمثيلية أو شاملة، بل تهدف إلى إثراء تحليل الخطاب ووضعه في سياقه، من خلال إلقاء الضوء على كيفية تفسير مصطلحات معيّنة، وكيف يُنظر إلى التحوّلات اللغوية من قبل الجهات الفاعلة التي تتفاعل مع هذه المؤسسات، وأيّ المصطلحات لها أهمية أو تأثير خاص في جهود المناصرة. وبالتالي، تدعم المقابلات تطوير وتحسين فئات الترميز، والكلمات والمصطلحات التي تركّز عليها الورقة، بدلاً من أن تكون بمثابة مجموعة بيانات مستقلة لتقييم آثار الخطاب.
تم تنفيذ تحليل تكرار الكلمات باستخدام برنامج NVivo. وقبل إجراء التحليل، تم جمع جميع المواد من أرشيفات المؤسسات المالية الدولية المتاحة للعامة. فجميع منشورات صندوق النقد الدولي المستخدمة في العيّنة (تقارير آفاق الاقتصاد الإقليمي وتقارير آفاق الاقتصاد العالمي) وكذلك التقارير السنوية للبنك الدولي، متاحة عبر المواقع الالكترونية الرسمية للمؤسستين. تم تطوير الرموز المستخدمة في التحليل اعتماداً على مصدرين: (1) الموضوعات والمصطلحات التي جرى تحديدها في مراجعة الأدبيات، و(2) المصطلحات التي شدّد عليها المشاركون في المقابلات بوصفها مؤشّرات دالّة على خطاب المؤسسات المالية الدولية. لا يقتصر تحليل هذه الرموز على وصف كمّي لتكرار الكلمات فحسب؛ بل تُستكمل بتحليل لفهم الأطر أيديولوجية أوسع، مثل التقشف، وتحرير السوق، وشبكات الأمان الاجتماعي، والحوكمة. وبعد تحديد الرموز، تمّ استخدام برنامج NVivo، مما ساهم بكشف الاتجاهات العامة والأنماط المتكرّرة على عبر الزمن.
ويستند تحليل الخطاب إلى مجموعتين من المنشورات المؤسسية: مجموعة صادرة عن صندوق النقد الدولي (IMF)، وأخرى عن مجموعة البنك الدولي، تغطّي فترات زمنية وأنواعاً مختلفة من الوثائق. تشمل عيّنة بيانات صندوق النقد الدولي تقارير آفاق الاقتصاد الإقليمي الخاصةبمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الفترة الممتدّة من عام 2005 إلى عام 2025. أمّا عيّنة البنك الدولي فتعتمد على التقارير السنوية للمؤسسة، التي توفّر مصدراً متّسقاً وقابلاً للمقارنة لرصد الأطر السياساتية واللغة المؤسسية عبر الزمن. ويشمل التحليل جميع التقارير السنوية المتاحة للبنك الدولي بين عامي 2005 و2024، بما يضمن قابلية المقارنة عبر السنوات نظراً إلى البنية الموحدة لهذه الوثائق.
تشمل المصطلحات التي تم تحليلها ما يلي: التقشّف، المناخ، التوحيد، تحرير الأسواق، النمو الاقتصادي، دعم الطاقة، الضبط المالي، الانضباط المالي، الاستدامة المالية، الأمن الغذائي، دعم الوقود، النوع الاجتماعي، الحوكمة، النمو، اللامساواة، التضخّم، سوق العمل، التحرير، السياسة النقدية، الفقر، الخصخصة، الإنتاجية، الإنفاق العام، الاستثمار العام، إصلاح القطاع العام، الترشيد، شبكات الأمان، العدالة الاجتماعية، الحماية الاجتماعية، شبكات الأمان الاجتماعي، الضمان الاجتماعي، الإنفاق الاجتماعي، كفاءة الإنفاق، التصحيح الهيكلي، والدعم.
وقد تم إخفاء هويات جميع المشاركين في المقابلات، ويشار إليهم في النص بـالرموز “KII-1” إلى “KII-7″، بحيث يتوافق كل رقم رمز خاص معتمداً من قبل الباحثة.
تطوّر خطاب المؤسسات المالية الدولية ووظائفه
استخدام اللغة كأداة لكسب الشرعية وإحداث الالتباس
يُظهر تحليل تكرار الكلمات في تقارير آفاق الاقتصاد الإقليمي والعالمي لصندوق النقد الدولي والتقارير السنوية للبنك الدولي[21] أنّه منذ عام 2005، لم يتم ذكر مصطلح “التقشف” أي “austerity” إطلاقاً، في حين تم استخدام مصطلح “الضبط المالي” 227 مرة، نادراً من قبل البنك الدولي، وبصورة أساسية من قبل صندوق النقد الدولي. تُبرز هذه الحقيقة العددية البسيطة كيف يوظّف الصندوق اللّغة بشكل متعمّد لجعل سياساته تبدو “محايدة” و”عقلانية” وبالتالي “غير ضارّة”. يُنظر إلى هذا التوظيف بوصفه تكتيكاً استباقياً، إذ تُربك هذه المؤسسات متلقّي خطابها من خلال إنتاج مصطلحات تبدو تقنية، بل وربما إيجابية، مخفيةً ما يُعرف على نطاق واسع بأنه سياسات ضارّة. وتتمثل وظيفة هذا الاستخدام اللغوي في إضفاء الشرعية واحداث التباس في آنٍ واحد. وتؤكد هذه الملاحظة دراسة أجراها فارنوورث وإيرفينغ، والتي حلّلت الخطاب المتعلّق بالتقشف في جميع خطابات كبار موظفي صندوق النقد الدولي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 و 2015. إذ تُظهر بيانات الدراسة أن الصندوق نادراً ما استخدم مصطلح “التقشّف”، مفضّلاً ما وصفه الباحثان بتعابير موجّهة نحو الأهداف، ولا سيّما “الضبط المالي”، و”المسؤولية المالية”، و”الانضباط المالي”، و”تخفيف عبء الديون”، و”الموازنات المتوازنة”، مع استخدام أكثر انتظاماً لمصطلح “الضبط المالي” مقارنةً بغيره من المصطلحات.[22] وكما يوضح أحد المشاركين في المقابلات، “هذا التحوّل في المصطلحات ليس بريئاً”.[23] ويشير مشارك آخر إلى أنه مع تصاعد حركة عالمية مناهضة للتقشّف، بدأت المؤسسات المالية الدولية باستخدام بدائل لغوية تبدو أكثر تقنية أو حيادية، بل وربما إيجابية.[24] فعلى سبيل المثال، يُترجم مصطلح “fiscal consolidation” إلى العربية بـ”الضبط المالي”. وفقًا لـ KII-3، عندما يقول أحدهم باللغة العربية “نحن بحاجة إلى ضبط مالي”، فإنّ معظم الناس قد يوافقون بسهولة، إذ يبدو ذلك استجابةً منطقية لمخاوف تتعلّق بالفساد والهدر. ولكن في الواقع، تشير هذه المصطلحات إلى سياساتٍ مختلفةٍ تماماً. وبذلك، تُسهم اللغة في طمس السياسات الكامنة وآثارها الاجتماعية. وبالنسبة إلى الجمهور أو فئات معيّنة لا تتعمّق بالضرورة في تفكيك معاني هذه المصطلحات من منظور المؤسسات المالية الدولية، يبدو من “الطبيعي” تلقّيها بوصفها إصلاحات مرحب بها.
يتجلّى النمط نفسه في كيفية صياغة المؤسسات المالية الدولية لسياسات العمل. فبدلاً من توصيف الطابع التفكيكي أو التحريري لتوصياتها في مجال العمل توصيفاً دقيقاً، وما يترتّب عليه من تقويض للحماية والأمن الوظيفي، تستخدم هذه المؤسسات مصطلحات مثل تحرير سوق العمل أو مرونة سوق العمل. وهنا أيضاً، تعمل اللّغة على تلطيف انعدام الأمان الوظيفي عبر تقديمه بوصفه بالمرونة.[25] وقد انعكس ذلك بوضوح في تحليل تكرار الكلمات، إذ لم يَرد مصطلح “إلغاء القيود التنظيمية” أيّ “deregulation” سوى 5 مرّات في جميع الوثائق التي تمت تحليلها، فإنّ مصطلح “تحرير” تكرّر 51 مرة، ومصطلح “مرونة” ورَدَ 104 مرّات. ويؤكّد التحليل النوعي لهذه التكرارات أنّ هذا الاستخدام يرتبط بسياسات مرونة سوق العمل، التي تنطوي على تقليص للحمايات وتوسيع لدوائر العمل غير المنظّم.
المثال الثالث الذي يسلّط الضوء على وظيفة إضفاء الشرعية في خطاب المؤسسات المالية الدولية هو في لغتها حول ضريبة الدخل. فهي تقدِّم دعوات “تبسيط” ضريبة الدخل الفردية بوصفها مساعدة إدارية أو إجراءً لتعزيز الكفاءة الضريبية واستراتيجيات تحصيل الضرائب “السليمة”. غير أنّ مقاربة “التبسيط” هذه تستهدف، في الواقع، وظيفة الضرائب التصاعدية في إعادة توزيع الثروة، وهو مطلب مشترك لمنظمات المجتمع المدني بوصفها بديلاً لتوسيع الحيّز المالي بعيداً عن سياسات التقشّف. وكما جاء في إحدى المقابلات: “ما يقصدونه فعلياً بتبسيط الضرائب هو جعلها أقل تصاعدية”.[26]
تسلط هذه الأمثلة الثلاثة الضوء على النهج الخطابي للمؤسسات المالية الدولية تجاه ثلاثٍ من أكثر السياسات إشكالية: الدفع نحو سياسات التقشّف، ودعم تفكيك/تحرير تنظيم سوق العمل، واعتماد سياسات ضريبية رجعية. ومن المثير للاهتمام أنه بالإضافة إلى ما يظهره تحليل الخطاب، فإن تجارب الخبراء والناشطين في المنطقة الذين تمت مقابلتهم، والذين ينشطون ضدّ هذه السياسات، تسلّط الضوء على تكتيك خطابي لإضفاء الشرعية على هذه القضايا، على وجه التحديد، لا سيّما وأنّ هذه السياسات الثلاث لها الأثر الأكثر خطورة على المجتمعات المهمّشة. ولغرض إضفاء الشرعية على مواقفهما، لجأت كلٌّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى تكتيكات مثل إرباك المصطلحات، وصياغة السياسات السلبية بصفات إيجابية، وتحويل السياسات الاجتماعية إلى مسألة تقنية “محايدة”، رغم دورها السياسي والتوزيعي الجوهري وأهميتها الحاسمة في مكافحة اللامساواة وصون العدالة الاجتماعية.
تضع هذه المناورة معارضي سياسات التقشّف في موقع تصبح فيه جهود المناصرة أكثر تعقيداً وبحاجة إلى تفكيك في عدّة مراحل، تكون المرحلة الأولى منها توضيحية. . إذ يبدأ هؤلاء بإنتاج أبحاث ومواد تؤكّد ما يعدّ بديهيًا بالنسبة إليهم: : أن المؤسسات المالية الدولية تواصل الضغط من أجل التقشف، وإن كان ذلك تحت تسميات مختلفة. تتحوّل هذه خطوة إلى مرحلة أساسية في الدفاع عن موقفهم وفي مسار المناصرة، بما تستهلكه من وقت وموارد، إذ تُحوّل الحوار من جوهر السياسات إلى الجدل حول التسمية والإدراك بدلًا من مضمون السياسات نفسها. حتى في الاجتماعات، لا يتردّد مسؤولو صندوق النقد الدولي في مطالبة ممثلي المجتمع المدني بالتوقف عن استخدام مصطلح “التقشّف”، لأنهم يزعمون أنّ الصندوق لا يدعم هذه السياسات.
بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي الالتباس في الخطاب المتعلّق بمرونة سوق العمل إلى وضع المدافعين عن الحماية الاجتماعية في مواجهة مع العمال أنفسهم، حيث أنّ انتشار السردية التي تروّج لها المؤسسات المالية الدولية، وتبنّيها من قبل الحكومات في المنطقة ووسائل الإعلام التقليدية. من شأنه أن يقنع الرأي العام بأنّ “المرونة” تصبّ في مصلحتهم، باعتبارها، بحسب ما يروّجون له، توفّر فرص عمل أكثر وتساهم في مكافحة البطالة. غير أنّ هذا الخطاب لا يفسح حيّزاً كافياً لمناقشة التكاليف الاجتماعية لـ “المرونة” أو تحرير أسواق العمل وإلغاء القيود التنظيمية. وبهذه الطريقة، تتحوّل المعركة أيضاً إلى معركة لإثبات أن العمل نحو مرونة سوق العمل هو سياسة ضارة، وليست سياسة إيجابية للتنمية الاقتصادية.
تحويل المسؤولية وقلب السردية بوصفهما تكتيكاً للتخفيف من حدة الانتقادات
إلى جانب وظيفة إضفاء الشرعية التي تؤديها هذه التكتيكات الخطابية، تبرز مسألة مهمّة تعكس طبيعة العلاقة التي يخلقها هذا التصرّف تجاه النقد من المؤسسات المالية الدولية ومنظمات المجتمع المدني والناشطين. فعندما تفشل استراتيجيات إضفاء الشرعية الاستباقية في التخفيف من حدة النقد، يلجأ كلٌّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى تكتيك تحويل المسؤولية وقلب السردية. فبدلاً من الإقرار بالضرر، يعمد ممثلو هذه المؤسسات إلى الإنكار أو إعادة التأطير أو حتى تحويل اللوم، بما يجعل المنتقدين يبدون ساذجين أو مطلّعين أو عاطفيين، بينما يقدمون أنفسهم على أنهم أصحاب الحقيقة الموضوعية. تعمل هذه الديناميكية كتكتيك رد فعل يهدف إلى التخفيف من حدة النقد دون الاعتراف بأي خطأ أو مسؤولية.
أحد أشكال هذه الممارسة هو توجيه المصطلحات (terminology coaching)، وهو تكتيك يحاول من خلاله ممثلو المؤسسات المالية الدولية، سواء في الاجتماعات أو المؤتمرات العامة، أو عبر المواد المكتوبة التأثير على معنى مصطلح معيّن وتوجيهه، وبالتالي إعادة توجيه اللغة المستخدمة حول قضية معينة. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تشير منظمات المجتمع المدني إلى شبكات الأمان بوصفها “شبكات أمان مستهدفة للفقر”، ممّا يسلط الضوء على طابعها الإقصائي والمحدود. غير أنّ مسؤولي البنك، في مناسبات متعددة، قدّموا نصائح صريحة خلال الاجتماعات “بالتوقف عن استخدام هذا المصطلح”، محذرين من أنّ الاستمرار في استخدامه سيضعف موقف منظمات المجتمع المدني، باعتباره لا ينسجم مع منظور البنك الدولي”.[27] وعلى الرغم من من الكمّ الكبير من البيانات والأبحاث،[28] إضافةً إلى المنطق الكامن في تصميم شبكات الأمان الاجتماعي، التي تُظهر بوضوح أنّها مقاربات مستهدفة للفقر، يعمد مسؤولو البنك الدولي إلى تحويل مسار النقاش، بحيث يبدو الإطار اللغوي وكأنه المشكلة، لا البرنامج الإقصائي ذاته. ويكشف ذلك عن فجوة كبيرة في السردية: ففي حين يركّز خطاب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حول شبكات الأمان الاجتماعية على نجاحها في مكافحة الفقر، تركّز منظمات المجتمع المدني، في المقابل، على إثبات كيف تفشل شبكات الأمان المستهدفة للفقر في الحد من عدم المساواة، وتعجز عن تحقيق أهدافها المعلنة، خاصة في البلدان التي تعاني من أزمات طويلة الأمد ومتجدّدة، أو أوضاع هشّة ونزاعات. في الوثائق التي تم تحليلها، تُستخدم شبكات الأمان الاجتماعي بشكل أساسي كمثال على سياسات التخفيف من حدة الفقر المموّلة أو المدعومة من مجموعة البنك الدولي، وكتوصية سياساتية تقدّم بدلاً عن الدعم، وأداةً للتخفيف من الآثار الاقتصادية للسياسات “الإصلاحية” ودعم الفئات الأكثر ضعفاً. وبالتالي، فإنّ المتعلّق بشبكات الأمان هو في جوهره خطاب يستهدف الفقر، لا يتم وصله بضرورة بناء أنظمة حماية اجتماعية شاملة. ومع ذلك، تواصل المؤسسات المالية الدولية رفض الإقرار بالطابع الاستهدافي لهذه الإصلاحات، وهو ما يراه الباحثون والخبراء والناشطين في مجال المناصرة في المنطقة مضلّلاً، كما أشار العديد من المشاركين في المقابلات. ومرةً أخرى، تتحوّل النقاشات إلى جدالات حول المصطلحات، لتتركّز على كيفية “تحسين الاستهداف” بدلاً من التشكيك في فرضية الاستهداف نفسها. وكما خلص أحد المشاركين في المقابلات: “لم يكتفوا باعتماد مصطلح فيه الكثير من الشوائب، ومتجذّر إلى حد كبير في السياق الأمريكي، وبعيد عن منطق حقوق الإنسان، بل إنهم ربطوه أيضًا بنهج يصوّر الفقراء والفئات الهشّة على أنهم متلقون سلبيون. إنّ هذا المزيج يقوّض مبدأ أن لكل إنسان حقًا إنسانيًا في الضمان الاجتماعي، ويعيد ترسيخ نهجًا قائمًا على الصدقة والإحسان في الحماية الاجتماعية”.[29]
يقدّم الخطاب المتعلّق بمفهوم “المسؤولية” مثالاً أكثر مباشرةً لتكتيك تحويل المسؤولية. إذ غالباً ما توصف برامج القروض بأنّها “مدعومة” من صندوق النقد الدولي أو تقدّم بصورة لافتة على أنّها “انتاج محليّ”. ويعلّق أحد المشاركين في المقابلة قائلاً: “على الرغم من أنّ الجميع يعلم أنّ برنامج القروض مشروط حرفياً بالامتثال لمتطلبات صندوق النقد الدولي، يُصرّ ممثلو الصندوق على التشديد أنّ المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الحكومات”.[30] ويضيف مشارك آخر: “غالبًا ما يجيبوننا بأن البرنامج لا يُسمّى برنامجاً لصندوق النقد الدولي، بل هو برنامج محلي، أو برنامج حكومي مدعوم من الصندوق “.[31] ويستطرد ثالث: “إنّ مصطلح ‘برنامج محلّي الصنع’ مُضلّل. فعندما نوجّه انتقاداتنا، يردّون بالقول: ‘نحن لم نصمّم هذا البرنامج، بل حكومتكم هي التي صمّمته’. ووفق سرديّتهم، تصبح الحكومة هي الجهة التي يجب تحميلها المسؤولية عن أيّ إخفاق”. في الواقع، تدرك منظمات المجتمع المدني أنّ المسؤولية مشتركة بين الحكومات وصندوق النقد الدولي، ولكن هناك الكثير من السرية حول مسارات التفاوض: “نحن لا نعرف حقًا من اقترح ماذا، ولا تفاصيل النقاشات. ونظرًا لأنّ المفاوضات مع الصندوق غالبًا ما يكون الملاذ الأخير، تنتهي الحكومات في كثير من الأحيان إلى اقتراح ما تعرف مسبقاً أن الصندوق يريده أو يقبله. في هذه الحالة، تلعب القدرة التفاوضية للحكومات دورًا حاسماً”.[32] وتنتج هذه المناورة الخطابية وهماً بالملكية الوطنية والمحلية، في حين تُخفي اختلالات القوّة البنيوية التي تتحكّم في صياغة هذه البرامج.
هناك شكل آخر من أشكال تحويل المسؤولية وهو رفض أو التشكيك بالأدلة والأبحاث الخارجية. فعندما تقدّم منظمات المجتمع المدني أو النشطاء بيانات تُظهر أو تُثبت الأثر الضار لسياسات المؤسسات المالية (على سبيل المثال، ارتفاع معدّلات أخطاء الاقصاء في برامج الأمان الاجتماعي)، غالبًا ما يأتي الردّ على نحو يشوّه أو يشكّك بمصداقية هذه الأدلة: “ما لم يّنتجوا هم هذه البيانات، فإنهم لا يعتبرونها دليلًا. وهم بالتأكيد لا يعتبرون الأبحاث النوعية بيانات أو أدلة يُعتمد عليها”.[33] وتعمل هذه الديناميكية على المستويين الخطابي والمؤسسي معاً: فمن خلال استخدام مصطلحات “البيانات” و”العلمية” و”الموضوعية”، تبني المؤسسات المالية الدولية هرمية لغوية تضفي من خلالها الشرعية على أشكال معيّنة من المعرفة، بينما تعتبر أشكالًا أخرى متحيّزة أو غير جديرة بالثقة. وينتج عن ذلك تصوير الجهات الفاعلة من المجتمع المدني على أنها غير عقلانية أو عاطفية، كما لاحظ أحد المشاركين في المقابلات: “إنهم يواجهون منظمات المجتمع المدني بحجّة أنّ خطابها عاطفي ولا يستند إلى بيانات وتحليلات موثوقة، وهو أمر غير صحيح”. وغالبًا ما يتم تعزيز هذا التصوير من خلال تصريحات عامة تُقارن “الإصلاح القائم على الأدلة” بـ “النقاش المسيّس/الأيديولوجي”، بما يضع حجج المناصرة ضمن خانة الأيديولوجيا وليس الخانة التحليلية أو التقنية. أضاف خبيرٌ آخر أن السرية حول البيانات بخطاب هذه المؤسسات، وكأنّ ما يقولونه ينبغي دائمًا قبوله بوصفه حقيقةً علميّة: “ما نسمعه غالباً هو: لقد قمنا باختبار وتجريب النماذج والسيناريوهات. وهذا يعطي انطباعاً بأن مساراً علمياً للغاية يحدث. ولكن عندما نطلب الاطلاع على النماذج والأدوات، نصطدم بحواجز. لقد شهدنا مراراً فشل هذه الأدوات، مع توقعات نمو مفرطة في التفاؤل وبرامج نادرًا ما تُحقّق النتائج الموعودة. ومع ذلك، تبقى هذه النماذج ملكيةً حصرية. يتم استخدامها كحجج قوية لتبرير “الإصلاحات”، ولكّنها لا تخضع أبدًا للتدقيق. إنهم يدعون الحكومات إلى الشفافية، لكنهم يرفضون منح نفس الشفافية نفسها للحكومات أو المجتمع المدني”.[34]
في هذا السياق، تحمل هذه الديناميات على تداعيات خاصة بالخطاب وبالعلاقة التي تربط هذه المؤسسات بالمجتمع المدني. فعلى المستوى الخطابي، فقد أجبرت الجهات الفاعلة في مجال المناصرة على تكييف لغتهم مع اللغة التقنية التي تعتمدها هذه المؤسسات، في محاولةٍ لاختراق درع “الكفاءة”. وغالباً ما يستلزم ذلك استنزاف وقت وجهد كبيرين لإثبات صحّة بياناتهم وجديّتها، والسعي إلى إظهارها على أنها علمية وليست أيديولوجية، على الرغم من أن العديد من الجهات الفاعلة في مجال المناصرة تعتبر المؤسسات المالية الدولية نفسها فاعلاً أيديولوجياً وسياسياً بامتياز، وليست مجرد مؤسسات تقنية. على المستوى العلاقاتي، فتُقوّض هذه الديناميكية إمكانية بناء ثقة حقيقية بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات المالية الدولية. من خلال تجارب ووجهات نظر المشاركين في المقابلات، فإن موقف المؤسسات تجاه المجتمع المدني هو موقف فوقي وهرمي، يتميّز بمشاركة رمزية أو شكلية أكثر منها حواراً هادفاً أو التزاماً بالتغيير.
في الختام، بالنسبة للعديد من الفاعلين في مجال المناصرة، فإن تجربتهم المؤسسية للمؤسسات المالية الدولية التي تضغط باتجاه قبولهم بتعريفاتها ومصطلحاتها، دفعهم نحو التخلي عن مصطلحاتهم الخاصة، والدفاع عن أدلتهم في ظل شروط غير متكافئة، تعادل، ما يصفه البعض، بالتلاعب النفسي (gaslighting)، وهو عملية تُربك النقد وتُعيد ترسيخ السلطة الخطابية والتقنية للمؤسسات. وبهذه الطريقة، تحافظ المؤسسات المالية الدولية على شرعيتها من خلال تحويل المساءلة إلى معركة لغوية، فتبدو شفافةً وتشاركية. فيما تُبقي السيطرة على المعنى بيدها.
توظيف خطاب الحماية الاجتماعية
تولي هذه الورقة اهتمامًا خاصًا لخطاب كلٍّ من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حول السياسات الاجتماعية، وتحديدًا طريقة تأطيرهما لمفهوم الحماية الاجتماعية. ويُظهر تحليل الخطاب، المدعوم بنتائج تحليل تكرار الكلمات، ارتفاعاً واضحاً في استخدام مصطلح “الحماية الاجتماعية” في وثائق المؤسستين خلال العقدين الماضيين. ففي مجموعة بيانات صندوق النقد الدولي، يغيب المصطلح تماماً خلال الفترة 1993-1998، ثم يظهر بشكل محدود بين عامي 2005-2010 بثلاث مرات، قبل أن يرتفع إلى 32 مرة في الفترةما بين 2011-2020. أماْ في عيّنة البنك الدولي، فيسجّل مصطلح “الحماية الاجتماعية” 119 مرة في الفترة ما بين 2005-2010، ويرتفع إلى 237 مرة بين عامي 2011-2020. وعلى امتداد هذين العقدين، يحافظ البنك الدولي باستمرار على مستويات رقمية أعلى من صندوق النقد الدولي.
غير أنّ هذا النمط لا يعكس تحولاً سياساتياً بقدر ما يعكس تحوّلاً خطابياً. فالتزايد في الاهتمام بالحماية الاجتماعية هو يقوم بوظيفة أداتية تتمثّل في تلطيف الآثار السلبية للتقشّف. ووفقاً لأحد الخبراء: “لا يمكن النظر إلى الحماية الاجتماعية من منظور صندوق النقد الدولي خارج إطار التقشّف؛ فهي وسيلة لتخفيف آثاره السلبية”.[35] وبهذا المعنى، لا تُرتبط الحماية الاجتماعية بإعادة توزيع الثروة أو العدالة الاجتماعية، بل تُستخدم كأداة لجعل سياسات التقشّف أكثر قبولاً. علاوة على ذلك، تتعمّد هذه المؤسسات إرباك المصطلحات، حيث تستخدم هذه المؤسسات مصطلح “شبكات الأمان الاجتماعي” بالتبادل مع مصطلح “الحماية الاجتماعية”،[36] مما يقوّض سنوات من المناصرة الرامية إلى ترسيخ الحق في الحماية الاجتماعية الشاملة. والجدير بالذكر أن ممثلي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي غالباً ما يستجيبون لدعوات الحماية الاجتماعية الشاملة باعطاء أمثلة وأدلة تُبرز دعمهم لشبكات الأمان المستهدِفة، مما يضعف من مصداقية الانتقادات عبر خلطٍ لغويٍّ ومصطلحي. ويتجلّى ذلك بشكل خاص في الوثائق التي تم تحليلها، حيث غالباً ما تكون الإشارات إلى الحماية الاجتماعية مصحوبة بأمثلة تركّز على توسيع برامج التحويلات النقدية أو شبكات الأمان الاجتماعي. ويوضح المثال التالي من التقرير السنوي للبنك الدولي لعام 2021 هذا النمط، كما يؤكّد تحليلنا النوعي للنصوص أن هذا الإطار يتكرر كثيرًا في جميع الوثائق: “تُعدّ برامج الحماية الاجتماعية القوية والقابلة للتكيف عاملاً أساسيًا لحماية الفقراء والفئات المهمّشة وضمان تعافٍ مرن. ونحن نُقدّم 1.8 مليار دولار من خلال المؤسسة الدولية للتنمية (IDA) لتوسيع نطاق شبكات الأمان الاجتماعي في غرب ووسط أفريقيا، وتعزيز تدابير الحماية الاجتماعية، وسجلات المستفيدين، وبرامج التحويلات النقدية، وآليات التنفيذ؛ وستعود هذه الجهود بالنفع على نحو حوالي 40 مليون شخص”.[37] وبالتالي، فإن إدراج مصطلح “الحماية الاجتماعية” في الخطاب لا يشير إلى تحوّل السياساتي جوهري، بل يُوَظّف استراتيجياً لإضفاء الشرعية على الأطر القائمة. وقد أدى ذلك، بدوره، دفع الكثير من جهود المناصرة إلى الانشغال بتوضيح التعريفات ونفكيك الالتباس المفاهيمي، مما أدى إلى تحويل الوقت والموارد القيمة بعيدًا عن الإصلاح الجوهري للسياسات.
هناك إشكالية أخرى متكررة وهي الخلط بين “الحماية الاجتماعية الشاملة” و”الدخل الأساسي الشامل”، وهو خلطٌ تلجأ المؤسستان على إثره إلى رفض المفهومين معًا رفضًا قاطعًا. وبذلك، تستشهدان بحجج تتعلّق بعدم المساواة التوزيعية المرتبطة بالدخل الأساسي الشامل، وهي حجج مشوّهة ولا علاقة لها بمطالب منظمات المجتمع المدني الفعلية الداعية إلى ارساء الحماية الاجتماعية الشاملة.
وفي المحصّلة، فإنّ الارتفاع الكمي في ذكر “الحماية الاجتماعية” في وثائق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يمثّل تحولاً خطابياً لا تحولاً سياساتياً جوهرياً. فمن خلال تقديم الحماية الاجتماعية بوصفها مجرد أداة “لتخفيف” الآثار السلبية، يفصل الخطاب هذا المفهوم عن إعادة التوزيع أو العدالة الاجتماعية، ويعيد صياغته بدلاً من ذلك كآلية تهدف إلى جعل سياسات التقشّف أكثر قبولاً. وتعتمد هذه الاستراتيجية الخطابية على إرباك متعمّد للمصطلحات. فباستخدام مصطلح “الحماية الاجتماعية” بالتبادل مع مصطلح “شبكات الأمان الاجتماعي”، تقوّض هذه المؤسسات جهود المناصرة الداعية إلى التغطية الشاملة. ويزداد هذا الأمر تعقيدًا بسبب رفض الحماية الاجتماعية الشاملة من خلال الخلط بينها وبين “الدخل الأساسي الشامل”، والاستناد إلى حجج مشوّهة حول عدم المساواة التوزيعية. ونتيجة لذلك، يجبر هذا الالتباس جهود المناصرة على تحويل الموارد القيمة نحو توضيح التعريفات وتفكيك الالتباس المفاهيمي، على حساب التركيز على إصلاح سياساتي حقيقي.
احتواء خطاب المجتمع المدني
كما هو موضح في المستندين 1 و 2 أدناه، يظهر مصطلح “النوع الاجتماعي” لأول مرة في خطاب صندوق النقد الدولي في الفترة بين 2011 و 2020. إمّا مصطلح “المناخ” فيسجّل مساراً تصاعدياً مستمراً، إذ ارتفع ذكره من خلال الفترة 1993-1998 إلى 19 مرة في الفترة 2021-2025. وفي بيانات البنك الدولي، سجّل مصطلح “النوع الاجتماعي” 159 مرة خلال الفترة 2005-2010، ثم ارتفع إلى 386 مرة في 2011-2020، وبلغ 190 مرة في 2021-2024 (مما يشير إلى تكرار مماثل نظراً لأن فترة التحليل أقصر). أمّا مصطلح “المناخ” فيظهر بوتيرة أعلى عبر الفترات كافة: 221 مرة في 2005-2010، و635 مرة في 2011-2020، و672 مرة في 2021-2024.
كما جرى [DA1] توضيحه سابقًا، وكما يظهر بوضوح من خلال تحليل تكرار الكلمات، فقد بدأت الخطابات المتعلقة بالجندر والنوع الاجتماعي والمناخ وعدم المساواة تجد طريقها مؤخرًا إلى لغة صندوق النقد الدولي. ولا ينبغي اعتبار هذا التحوّل أمرًا بديهياً، إذ يتّضح أنّه ظاهرة حديثة وتحول لغوي جديد نسبيًا. غير أنّ الظهور المتزايد لقضايا النوع الاجتماعي والمناخ وعدم المساواة في خطاب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا يشير بالضرورة إلى تحوّل سياساتي جوهري، بل يعكس في المقام الأوّل إعادة صياغة استراتيجية للغة المجتمع المدني داخل الأطر النيوليبرالية القائمة. فقد تعلّمت هذه المؤسسات التحدّث بلغة “العدالة الاجتماعية”، ولكن بطريقة تعيد تعريفها وتحيّد إمكاناتها التحويلية. ما يظهر هنا هو عملية احتواء، تعتمد فيها المؤسستان على تبنّي مصطلحات وسرديات رئيسية من خطاب منظمات المجتمع المدني لتعزيز شرعيتهما، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تركيزهما التقليدي على الضبط المالي، والنمو، وكفاءة السوق.
وبحسب أحد الخبراء، فإنّ هذا التحوّل لا يظهر فقط في المستندات السياساتية، بل يتجلّى أيضًا في الخطاب العلني للصندوق وفي حضوره على وسائل التواصل الاجتماعي. فالمحتوى الذي يحتفي بالتنوّع والشمول، على سبيل المثال، يُنتج صورة عن الانفتاح والتقدّمية، غير أنّه يظل سطحياً، إذ “لا ينبغي أن يُقاس التنوع داخل الصندوق بعدد النساء أو المصريين العاملين فيه ، بل بمدى تنوّع الأفكار ووجهات النظر داخله”.[38] وبالتالي، يصبح اعتماد لغة “التنوّع” رمزياً. وينطبق الشيء نفسه على الحماسة المستجدّة تجاه قضايا المناخ والجندر، إذ تُقدَّم بوصفها أولويات جديدة، رغم أنها كانت في السابق موضع مقاومة بحجّة أنها ليست “مهمّة على المستوى الماكرو-اقتصادي”. ومع ذلك، تُقارب هذه القضايا باستمرار من خلال عدس الضبط المالي والنمو الذي يقوده القطاع الخاص. فهذه المؤسسات، وإن بدت مستجيبةً لمطالب شعبية متصاعدة، تُحسن توظيف هذه الأولويات الجديدة بما يخدم في النهاية منطق الضبط المالي والإطار النيوليبرالي الأوسع.
يُجسّد انخراط صندوق النقد الدولي في قضايا المناخ هذا المنحى بوضوح. فكما يوصّف أحد الخبراء، تتمحور أجندة الصندوق المتعلقة بالمناخ حول “تحفيز التمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص”، وإلغاء ما يسمّى بالدعم “غير الصديق للبيئة”. يتم تصوير هذه التدابير على أنها إصلاحات خضراء، غير أنّها غالباً ما تُعيد إنتاج منطق التقشّف وتفرض أعباء غير متكافئة على الأسر الفقيرة. فإلغاء دعم الوقود أو الكهرباء في بلدان التي تفتقر إلى بدائل ميسورة ومُتاحة، وإن جرى تأطيره على أنه إجراء مسؤول بيئيًا، يساهم في تعميق عدم المساواة الاجتماعية بدل التخفيف منها. وبهذا المعنى، يصبح الخطاب المتعلق بالمناخ أداةً إضافية لتبرير الضبط المالي، لا لمساءلة كلفته الاجتماعية.
يظهر نمط مماثل حول قضايا الجندر والنوع الاجتماعي. فكما يشير خبير آخر، أعاد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي صياغة المطالب النسوية والمتمحورة حول المساواة ضمن ما يصفانه ب”قضايا حرجة على المستوى الماكرو-اقتصادي”.[39] ويتيح هذا التعريف للمؤسستين الانخراط في ملف الجندر من دون التطرّق إلى علاقات القوّة البنيوية. فعلى سبيل المثال، يتم التعامل مع مشاركة المرأة في سوق العمل بوصفها مؤشراً أساسياً على التقدّم في مجال العدالة الجندرية، فيما تبقى الحواجز البنيوية، مثل التمييز، وأعباء الرعاية، وتآكل الخدمات العامة، غير معترف بها. كما يلاحظ أحد المشاركين في المقابلات، “إنهم لا يرون المشكلة إلّا بوصفها نقصاً في قدرة النساء على المنافسة في سوق العمل”.[40] نتيجةً لذلك، تميل السياسات إلى الترويج لريادة الأعمال كحل شامل، متجاهلة القيود الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل ريادة الأعمال غير متاحة أو غير مستدامة لغالبية النساء. والأسوأ من ذلك، أن التخفيضات التي فرضتها سياسات التقشف على الانفاق في مجالات الصحة العامة، والتعليم تزيد من عبء العمل الرعائي غير مدفوع الأجر الذي تتحمّله النساء، ما يدفعهّن أكثر إلى خارج الاقتصاد الرسمي والمنظّم.
حتى عندما يتم تنفيذ سياسات جندرية، قد تُسهم في تعزيز الصور النمطية بدل تفكيكها. ويستحضر أحد الخبراء مثالاً من مصر، حيث اشترطت سياسة مدعومة من صندوق النقد الدولي على الشركات التي توظّف 100 امرأة أو أكثر توفير مرافق لرعاية الأطفال. ورغم ما يبدو عليه هذا الإجراء من دعمٍ للنساء، فقد دفع العديد من الشركات الخاصة إلى تقليص توظيف النساء. وبالتالي، لم تفشل هذه السياسة في معالجة عدم المساواة بين الجنسين فحسب، بل رسّخت أيضاً، عن غير قصد، التصوّر القائل بأن رعاية الأطفال هي مسؤولية المرأة وحدها.
وتؤكد إحدى المشاركات في المقابلات أنّ منظمات المجتمع المدني أصبحت أكثر وعياً بهذا التلاعب اللغوي. وتشير إلى أنّ هذه المنظمات “تفهم اليوم ما وراء اللغة، وقادرة على طرح بدائلها الخاصة”،[41] وإن كانت هذه البدائل غالبًا ما تُواجَه بالرفض من جانب المؤسسات المالية الدولية. وتوضح هذه الدينامية كيف تعمل عملية الاحتواء: فمن خلال التحكّم بالمفردات وإطار النقاش، يشع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي حدود ما يُعتبر نقاشاً سياساتياً مشروعاً.
يُنتج هذا الاستحواذ اللغوي والخطابي مفارقةً حقيقية أمام المجتمع المدني. فقد أسهمت العديد من هذه المنظمات، من دون قصد، في هذه العملية من خلال مطالبتها المستمرة صندوق النقد الدولي بـ “القيام بالمزيد” على الصعيد الاجتماعي. ويحذّر أحد الخبراء قائلاً: ” علينا أن ننتبه لما نتمناه “، إذ غالبًا ما يأتي الردّ على هذا النحو: “أنتم تريدون ذلك، سنفعله، ولكن بطريقتنا”.[42] ونتيجةً لذلك، يتم استيعاب اللغة النقدية للمجتمع المدني وإعادة تأويلها ضمن الأطر التكنوقراطية الخاصة بهذه المؤسسات، بما يسمح لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالظهور بمظهر المتجاوب والتقدّمي من دون إدخال أي تغيير فعلي على النهج البنيوي أو المنطلقات السياساتية.
باختصار، فإنّ الاستخدام المتزايد من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمصطلحات مثل الجندر، والمناخ، وعدم المساواة، يعكس عملية تكيّف معقّدة ومتقدّمة. إذ يتم تجريد هذه المفاهيم من دلالتها السياساتية والتوزيعية، وإعادة إدراجها في منطق الضبط المالي، وكفاءة السوق، والنمو. ومع تزايد وعي فاعلي المجتمع المدني بهذه العملية، يتضح أن هذا الاحتواء يطمس الخط الفاصل بين الانخراط النقدي والتأييد الضمني، ويفرض مواجهةً صعبة حول ما إذا كان الأجدى الاستمرار في الضغط من أجل الإصلاح من داخل هذه المؤسسات، أم مقاومة هذا الاستحواذ الخطابي من خارجها.
الخلاصة
تتّسم لغة كلٍّ من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالتعقيد، ولا يمكن تفكيكها بالكامل ضمن نطاق تقرير واحد. غير أنّ هذه الورقة سعت إلى رسم صورة تحليلية تستند إلى تجارب أولئك الذين انخرطوا فعلياً في التعامل مع هذه المؤسسات على مدى السنوات العشر الماضية وأكثر. إن المركزية المطلقة لتجاربهم وأصواتهم في قيادة التحليل أمر مقصود، انطلاقاً من قناعة مفادها أنّ اللغة تكتسب معناها من خلال التجارب الحية لمتلقّيها.
تكشف نتائج البحث عن نمط واضح: يوظّف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللغة بوصفها أداة سلطة. فمن خلال استبدال مصطلحات ذات دلالة سياسية مثل “التقشف” بأخرى تكنوقراطية مثل “الضبط المالي”، تُنتج المؤسستان صورةً عن الحياد تُسهم في إضفاء الشرعية على سياسات ضارة، بينما تخفي آثارها الاجتماعية. وعند مواجهة النقد، تلجآن إلى تكتيكات قلب السردية، من تشكيك بالأدلة، وتحويل المسؤولية، وإعادة صياغة الإخفاقات على أنها ناتجة عن عوامل محلية. وبنفس القدر من الأهمية، هناك استغلال لخطاب الحماية الاجتماعية. لا يستند استخدام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لمصطلح “الحماية الاجتماعية” إلى رؤية قائمة على الحقوق؛ بل يعمل كآلية تعويضية للتخفيف من الآثار السلبية للتقشف. كما يعكس تفضيلهما لشبكات الأمان الاجتماعي على حساب الأنظمة الشاملة استمرار المنطق الموجه نحو السوق نفسه. وبالمثل، فإن إدراج لغة المجتمع المدني المتعلّقة بالجندر والمناخ وعدم المساواة، لا يمثّل إعادة توجّه سياساتي ، بل عملية احتواء متقدّمة ومعقّدة.
وما يتّضح في المحصلة هو صورة مركّبة من الاستمرارية المتخفّية في هيئة تغيير. فالتحوّل الخطابي لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لا يعني التخلّي عن الالتزام النيوليبرالي، بل تجديده عبر ابتكار لغوي يسمح لهما بالظهور بمظهر المستجيب للمطالب الاجتماعية والسياسية، مع الحفاظ على الأولويات الماكرو-اقتصادية نفسها التي قوّضت العدالة الاجتماعية في المنطقة العربية وخارجها.
أمّا بالنسبة إلى فاعلي المجتمع المدني وصنّاع السياسات، فإن الآثار المترتبة على ذلك عميقة. إذ بات الانخراط مع هذه المؤسسات يتطلّب، إلى جانب الخبرة التقنية، إلمامًا خطابيًا وقدرةً على تفكيك اللغة الإصلاحية ومساءلتها واستعادة معانيها. ويؤثر ذلك بصورة مباشرة في جهود المناصرة. إذ يُفرَض على الفاعلين خوض مناورات لغوية تستنزف موارد كبيرة لإثبات، بلغة تقنية تعترف بها المؤسسات المالية الدولية، ما هو بديهي ومدعوم بالأدلة من منظور منظمات المجتمع المدني. وقد أعاد هذا الواقع مرارًا إثارة الجدل حول معضلة الانخراط مقابل الاحتواء، في ظلّ تساؤلات متزايدة حول جدوى وقيمة هذا الانخراط في فضاءات تُدار خطابيًا من قبل هذه المؤسسات.
ويمكن للأبحاث والأعمال السياساتية المستقبلية أن تحلّل هذه اللغة بشكل أعمق من خلال تجاوز الوثائق الرسمية لتحليل تصريحات مسؤولي المؤسسات المالية الدولية بشأن المنطقة، وربطها بقضايا سياساتية محدّدة أو بمطالب مناصرة. هذا النوع من البحوث سياسي في جوهره، إذ يتناول الوظيفة السياسية للوثائق والبيانات المكتوبة. كما أنه يربط بين التجارب الحياتية للناشطين والخبراء والجهات الفاعلة في مجال المناصرة من جهة، واللغة والنصوص المؤسسية من جهة أخرى. وأخيرًا، كما تشير نتائج هذه الورقة، فإنّ الصراع حول السياسات الاجتماعية والاقتصادية أصبح، بشكل متزايد، صراعًا حول الكلمات: من يعرّفها، ومن يتحكّم بها، ولأي غرض، وكيف لفهمٍ أعمق لهذه اللغة أن يُمكّن جهود المناصرة ويُحسّن فاعليتها في هذا المجال.
[1] International Monetary Fund (IMF), Annual Meetings 2024 Curtain Raiser, IMF News, October 2024, available at https://www.imf.org/en/News/Articles/2024/10/17/sp101724-annual-meetings-2024-curtain-raiser (International Monetary Fund, Annual Meetings 2024)
[2] صندوق النقد الدولي، الاجتماعات السنوية 2024
[3] للمزيد من المعلومات، الرجاء الاطلاع على الأوراق البحثية التالية:
Nabil Abdo, The Gendered Impact of IMF Policies in MENA: The Case of Egypt, Jordan and Tunisia, Oxfam, October 2019, available at https://policy-practice.oxfam.org/resources/the-gendered-impact-of-imf-policies-in-mena-the-case-of-egypt-jordan-and-tunisi-620878/
Farah Alshami, Financing Universal Social Protection Systems in the Arab Region: What Alternatives to Debt and Austerity?, Arab Reform Initiative, October 2024, available at https://www.arab-reform.net/publication/financing-universal-social-protection-systems-in-the-arab-region-what-alternatives-to-debt-and-austerity/
Hassan Sherry, The IMF in the Arab Region: Reform Narratives and Policy Dilemmas, Arab NGO Network for Development (ANND), May 2025, available at https://annd.org/en/publications/details/the-imf-in-the-arab-region-reform-narratives-and-policy-dilemmas-hassan-sherri
Salma Hussein, Egypt’s Successive Economic Crises: The IMF’s Impact and Pathways to Just Monetary, Food, and Social Policies, Arab Reform Initiative, April 2024, available at https://www.arab-reform.net/publication/egypts-successive-economic-crises-the-imfs-impact-and-pathways-to-just-monetary-food-and-social-policies/
Nona Tamale, Adding Fuel to Fire: How IMF Demands for Austerity Will Drive Up Inequality Worldwide, Oxfam, August 2021, available at: https://policy-practice.oxfam.org/resources/adding-fuel-to-fire-how-imf-demands-for-austerity-will-drive-up-inequality-worl-621210/
للاطّلاع على قاعدة بيانات تضم أبحاث ومنشورات ومواد من منظمات المجتمع المدني حول آليات التمويل والحماية الاجتماعية، يُرجى زيارة دليل المعرفة الصادر عن ملتقى المنطقة العربية للحماية الاجتماعية، والمتاح على الرابط التالي: https://socialprotection.arabregionhub.net/topic/financing-mechanisms/
[4] فرح الشامي، تمويل أنظمة الحماية الاجتماعية الشاملة في المنطقة العربية: ما هي البدائل للديون والتقشف؟، مبادرة الإصلاح العربي، تشرين الأول/أكتوبر 2024، متاح على https://www.arab-reform.net/ar/publication/%d8%aa%d9%85%d9%88%d9%8a%d9%84-%d8%a3%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%85%d8%a7%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%ac%d8%aa%d9%85%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%a7%d9%85/
[5] International Monitory Fund, Economic Transformation in MENA: Delivering on the Promise of Shared Prosperity, May 2011, available at https://www.imf.org/external/np/g8/pdf/052711.pdf
[6] Hassan Sherry, Debunking the Myth of a Changing IMF: Unpacking Conditionality in the Arab Region Post-Uprisings, Arab NGO Network for Development, September 2017, available at https://www.annd.org/en/publications/details/debunking-the-myth-of-a-changing-imf-unpacking-conditionality-in-the-arab-region-post-uprisings (Hassan Sherry, Debunking the Myth of a Changing IMF)
[7] Bessma Momani and Dustyn Lanz, Shifting IMF Policies Since the Arab Uprisings, The Centre for International Governance Innovation, March 2014, available at https://www.cigionline.org/publications/shifting-imf-policies-arab-uprisings/ (Bassma Momani and Dustyn Lanz, Shifting IMF Policies Since the Arab Uprisings)
[8] Daniel Beland and Klaus Petersen, ed. Analysing Social Policy Concepts and Language: Comparative and Transnational Perspectives, Bristol University Press, 2014. https://doi.org/10.2307/j.ctt9qgzj2
[9] Antje Vetterlein, The discoursive power of international organizations
[10] المقصود هنا هو إجماع واشنطن. وتشير سياسات إجماع واشنطن إلى مجموعة من الإصلاحات الموجّهة نحو السوق، المرتبطة عادةً بهذا الإجماع، مثل الانضباط المالي، والخصخصة، وتحرير التجارة، وإلغاء القيود التنظيمية.
[11] Ayse Kaya and Mike Reay, “How did the Washington consensus move within the IMF? Fragmented change from the 1980s to the aftermath of the 2008 crisis”, Review of International Political Economy, Vol.26 No.3, 2019. https://doi.org/10.1080/09692290.2018.1511447
[12] Antje Vetterlein, “The discursive power of international organisations: social policy language and concepts in the World Bank and the International Monetary Fund”, In: Daniel Beland and Klaus Petersen, ed. Analysing Social Policy Concepts and Language: Comparative and Transnational Perspectives, Bristol University Press, 2014. (Antje Vetterlein, The discoursive power of international organizations)
[13] Antje Vetterlein, The discoursive power of international organizations
[14] Kevin Farnsworth and Zoë Irving, “Inclusive Growth: What Role for Social Policy in IMF Discourse?”, in Mark Hibben and Bessma Momani, ed. Oxford Handbook of the International Monetary Fund, Oxford Academic, 2024. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780192858405.013.24(Kevin Farnsworth and Zoë Irving, Inclusive Growth)
[15] Hassan Sherry, Debunking the Myth of a Changing IMF
[16] Bassma Momani and Dustyn Lanz, Shifting IMF Policies Since the Arab Uprisings
[17] Hassan Sherry, Debunking the Myth of a Changing IMF
[18] Hassan Sherry, Debunking the Myth of a Changing IMF
[19] Adam Hanieh, “Shifting Priorities or Business as Usual? Continuity and Change in the post-2011 IMF and World Bank Engagement with Tunisia, Morocco and Egyp”, British Journal of Middle Eastern Studies, Vol.42 No.1, 2014. https://doi.org/10.1080/13530194.2015.973199
[20] Norman Fairclough. Discourse and Social Change, Polity Press, 1992.
[21] كما هو موضح في قسم المنهجية.
[22] Kevin Farnsworth, and Zoë Irving, ed. Social Policy in Times of Austerity: Global Economic Crisis and the New Politics of Welfare, Bristol University Press, 2015. https://doi.org/10.2307/j.ctt1t899zj.
[23] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-6)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[24] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-1)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[25] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[26] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[27] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-1)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[28] لمزيد من المعلومات، انظر الأوراق البحثية التالية:
Stephen Kidd and Diloá Athias, Hit and Miss: An assessment of targeting effectiveness in social protection, Development Pathways, March 2019, available at https://www.developmentpathways.co.uk/wp-content/uploads/2019/03/Hit-and-Miss-March13-1.pdf
Human Rights Watch, Automated Neglect How the World Bank’s Push to Allocate Cash Assistance Using Algorithms Threatens Rights, 2023, available at https://www.hrw.org/sites/default/files/media_2023/11/thr_jordan0623%20web.pdf
Human Rights Watch, IMF/World Bank: Targeted Safety Net Programs Fall Short on Rights Protection, April 2022, available at https://www.hrw.org/news/2022/04/14/imf/world-bank-targeted-safety-net-programs-fall-short-rights-protection
Thandika Mkandawire, Targeting and Universalism in Poverty Reduction, United Nations Research Institute for Social Development, December 2005, available at https://www.files.ethz.ch/isn/102839/23.pdf
[29] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[30] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-7)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[31] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-3)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[32] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-3)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[33] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-2)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[34] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[35] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-3)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[36] تشير شبكات الأمان الاجتماعي عادةً إلى برامج مساعدة ضيّقة الاستهداف ومشروطة بالدخل، صُمِّمت لتوفير حدٍّ أدنى من دعم الدخل لأفقر الفئات أو أكثرها هشاشة، وغالبًا ما تكون ذات طابع مؤقّت. أمّا الحماية الاجتماعية، فتشير في المقابل إلى نظام أوسع قائم على الحقوق من السياسات العامة، يهدف إلى ضمان أمن الدخل وإتاحة الوصول إلى الخدمات الأساسية على امتداد دورة الحياة. وتؤكّد الدعوة إلى الحماية الاجتماعية الشاملة على التغطية بوصفها حقًا اجتماعيًا، لا منفعةً مشروطة أو خاضعة لتقدير الجهات المنفِّذة، وذلك انسجامًا مع المعايير الدولية، بما فيها أرضيات الحماية الاجتماعية لمنظمة العمل الدولية (التوصية رقم 202).
للاطّلاع على التعريفات، يُرجى الرجوع إلى مسرد المصطلحات الآتي: https://socialprotection.arabregionhub.net/مسرد-المصطلحات/
[37] The World Bank Group. Annual Report 2021: From Crisis to Green, Resilient, and Inclusive Recovery. https://www.worldbank.org/en/about/annual-report-2021
[38] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-3)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[39] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[40] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-4)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[41] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-6)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[42] مقابلة مع مخبر رئيسي (KII-3)، تشرين الأول/أكتوبر 2024.
[DA1]I couldn’t access the figures: الفقر المستهدف should be edited to استهداف الفقر
إخلاء المسؤولية: باستثناء المقالات المنشورة في مدوّنة تضامن ومحتوى صفحات الموارد، فإن جميع المواد الموجودة على هذا الموقع، بما في ذلك الصور المرفقة، مُفهرسة من مصادرها الأصلية. وتبقى جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لأصحابها.

Comments are closed, but trackbacks and pingbacks are open.