إشكاليات الوصول إلى الفئات الهشة في المنطقة العربية

الكاتبة: لما عواد، باحثة في السياسات التنموية والنوع الاجتماعي

مقدمة: الوعد الرقمي وحدود الوصول

في السنوات الأخيرة، باتت التحويلات النقدية الرقمية تُقدَّم في الخطاب التنموي والإنساني باعتبارها حلاً مثالياً لمشكلات الحماية الاجتماعية في العالم العربي: فهي أسرع وصولاً، وأقل كلفةً في التوزيع، وأكثر شفافيةً في المحاسبة. ومع تصاعد الأزمات الإنسانية في المنطقة، من اليمن إلى لبنان وفلسطين، تدفقت مليارات الدولارات عبر منصات رقمية ومحافظ إلكترونية إلى الفئات الأكثر هشاشة.

غير أن سؤالاً يكاد يغيب عن هذا الخطاب: ماذا يحدث حين يفتقر المستفيد نفسه إلى هاتف ذكي، أو لا يمتلك حساباً مصرفياً، أو لا يجيد القراءة والكتابة الرقمية؟ وهل تصبح المحفظة الرقمية، في هذه الحالة، أداة تمكين أم واجهة جديدة للإقصاء؟ 

ليست التحويلات الرقمية مجرد أداة للتوزيع؛ بل باتت أداة جديدة للفرز الاجتماعي: تكافئ من يمتلك الجهاز والمعرفة والبنية التحتية، وتعاقب من يفتقر إليها بحرمانه من حقه.

أولاً: التوسع الإقليمي وهوّة الوصول الرقمي

شهدت المنطقة العربية توسّعاً ملحوظاً في برامج التحويل النقدي الرقمي خلال العقد الماضي، لا سيما في سياقات الأزمات. وفي مقابل هذا التوسع، تكشف الأرقام هوّة رقمية واسعة تهدد بإقصاء شرائح كبيرة من المستفيدين المفترضين. فلا تمتلك سوى 57% من النساء في المنطقة العربية هاتفاً محمولاً، مقارنةً بـ 72% من الرجال[1]، فيما لا يستخدم أكثر من 60% من كبار السن في دول المشرق العربي الإنترنت بصورة منتظمة[2]. وتتسع هذه الفجوة في المناطق الريفية، إذ لا يمتلك نحو 40% من سكان المناطق الريفية في اليمن ومصر والمغرب حسابات مصرفية أو محافظ رقمية.[3]

في مصر، بلغ عدد الأسر المشمولة بالدعم النقدي نحو 5.2 ملايين أسرة بحلول عام 2024، من بينها 4.7 ملايين أسرة ممولة من الموازنة العامة ضمن برنامج “تكافل وكرامة”.[4] وهو إنجاز لافت من حيث الحجم، لكنه يظل مشروطاً بقدرة المستفيدين على الوصول الفعلي إلى النظام. وفي فلسطين، لجأت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وبرنامج الأغذية العالمي إلى آليات رقمية لصرف المساعدات في ظروف بالغة التعقيد، تتداخل فيها مشكلات البنية التحتية مع القيود المفروضة على الاتصالات.[5]

ثلاثة أوجه للإقصاء الرقمي

1.  كبار السن: حين تصبح التكنولوجيا حاجزاً لا جسراً

يشكّل كبار السن شريحة واسعة من المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية في المنطقة، سواء في منظومات المعاشات التقاعدية أو في برامج المساعدات الطارئة. وبحسب تقرير الإسكوا لعام 2024، لا يمتلك غالبية كبار السن في دول المشرق العربي المهارات اللّازمة للتعامل مع التطبيقات المصرفية أو منصات التحويل الرقمي.[6]

تتجاوز الإشكالية هنا مجرد عجز تقني يمكن علاجه بجلسة تدريبية؛ فهي تتعلّق أيضاً بالكرامة والاستقلالية. فحين يضطر شخص في السبعين من عمره إلى الاعتماد كلياً على قريب أو جار لاستلام مستحقاته، يفقد شيئاً من سيطرته على موارده، وهو ما قد يفتح الباب أمام أشكال من الاستغلال الأسري الصامت.

2.  النساء: فجوة رقمية مضاعفة

تكشف بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات أن الفجوة بين الجنسين في امتلاك الهاتف واستخدام الإنترنت لا تزال واسعة في المنطقة، وتتسّع بصورة حادة في الأرياف.[7] لكن الأمر لا يتوقف عند حدود امتلاك الجهاز. ففي بعض المحافظات اليمنية والمناطق الريفية في مصر والمغرب، تواجه النساء قيوداً اجتماعية وقانونية عند فتح حسابات مصرفية بأسمائهن أو التحكّم بمحافظهّن الرقمية بصورة مستقلة. كما تشير دراسة لأوكسفام في اليمن إلى أن نحو 65% من النساء المستهدفات ببرامج التحويل النقدي لم يتمكنّ من الوصول مباشرةً إلى مستحقاتهن، بسبب اشتراطات الهوية الرقمية أو الاعتماد على وسيط ذكوري.[8]

تنتهي برامج الحماية الاجتماعية المصمّمة نظرياً لتمكين النساء، أحياناً، إلى تعزيز تبعيتهن؛ فبدلاً من أن تكون التحويلات الرقمية أداة للاستقلال المالي، تتحوّل إلى وسيلة توسّع قدرة الوسيط الذكوري على الوصول إلى الموارد.

3.  الفقراء متعددو أوجه الحرمان: حين يصبح الاتّصال ترفاً

ثمة افتراض خفي في بنية برامج التحويل النقدي الرقمي، وهو أن المستفيد قادر على تحمل تكاليف الاتصال: ثمن بيانات الإنترنت، وشحن البطارية، وصيانة الجهاز. وفي سياقات الأزمات الحادة، مثل غزة أو المناطق اليمنية المنكوبة، تتحوّل هذه التكاليف الهامشية إلى عوائق حقيقية. وفي غزة تحديداً، أسفرت الحرب عن تدمير واسع لشبكات الاتصالات والكهرباء، ما جعل برامج التحويل الرقمي معطّلة عملياًّ في أشد لحظات الحاجة.

من الرعاية الاجتماعية إلى إدارة المنصات: الاقتصاد السياسي للرقمنة

نادراً ما يُطرح في النقاشات التقنية حول التحويلات الرقمية سؤال أساسي: لماذا تدفع الجهات الدولية المانحة، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمانحون الثنائيون الغربيون، نحو رقمنة الحماية الاجتماعية تحديداً الآن، وبهذه الوتيرة المتسارعة؟ لا تكمن الإجابة في مصلحة المستفيدين وحدها، بل ترتبط أيضاً بجملة من الدوافع الاستراتيجية التي يُعدّ فهمها ضرورياً لأي تحليل سياساتي جاد.

يتمثّل أوّل هذه الدوافع في إدارة المخاطر المالية، إذ تتيح الرقمنة للمانحين والحكومات متابعة آنية لتدفّق الأموال وتقليص احتمالات التسرب والفساد. غير أن هذه المتابعة قد تعني، في الوقت ذاته، إخضاع المستفيد لمراقبة متزايدة لسلوكه الإنفاقيّ – ماذا يشتري؟ ومتى؟ وأين؟ – بما قد يُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، من علاقة قائمة على الحق إلى علاقة تقوم بدرجة أكبر على المراقبة.

ويرتبط الدافع الثاني بتقليل الاحتكاك السياسي. فتوزيع المساعدات النقدية عبر شبكات بشرية يفترض وجود موظّفين اجتماعيين ووسطاء ومؤسسات قد تتيح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مساحات لتجميع مطالب المستفيدين وتمثيل مظالمهم. أمّا الرقمنة فتقلّل هذا الاحتكاك، إذ تحدّ من الطوابير والتجمعات أمام مكاتب الصرف، وتضعف حضور الوسيط البشري الذي يمكن أن ينقل شكاوى المستفيدين أو يعبّر عنها. وبهذا، قد تتحوّل المساعدة إلى عملية فرديّة ومباشرة، تصل في صورة إشعار على الهاتف وتنتهي عند ذلك.

أما الدافع الثالث، فيتّصل بتحويل المساعدة إلى نظام أكثر قابلية للمراقبة والتحكّم. فالبيانات التي تولدها منصات التحويل الرقمي تكتسب قيمة كبيرة لأجهزة الدولة والمانحين على حد سواء. وفي السياقات الاستبدادية أو حالات النزاع، قد تتحول هذه البيانات إلى أداة لتتبّع المعارضين أو مراقبة فئات بعينها، كما قد تُستخدم، في الحالات الأكثر خطورة، لحجب المستحقات عن فئات غير مرغوب فيها سياسياً.

وتندرج هذه الديناميكية ضمن ما وصفه تقرير كارنيغي للشرق الأوسط لعام 2025 بمفهوم “المنفذ التقنوي”، الذي يعيد رسم حدود الدور الاجتماعي للدولة. فبدلاً من أن تكون الدولة راعياً اجتماعياً يلتزم بتوفير الحماية لمواطنيها بوصفها حقاً مكفولاً، قد تتحوّل تدريجياً إلى مدير لمنصة يشغّل نظاماً رقمياً وفق شروط تحدّدها منظومة أوسع من الجهات المانحة والمؤسسات الدولية، مع احتفاظه بالقدرة على التحكم في هذا النظام أو تعطيله.[9] وحين تتحوّل الحماية الاجتماعية إلى منظومة رقمية قابلة للتحكّم، تصبح قابلة للتعطيل أيضاً؛ وهو ما قد يخدم مصالح بعض الحكومات والجهات المانحة بقدر ما يثير مخاوف المستفيدين.

نحو رقمنة أكثر إنصافاً

لا يعني هذا النقد رفض التحويلات النقدية الرقمية جملةً وتفصيلاً؛ فهي، في سياقات معينة، تمثل تقدماً حقيقياً وتوسّع دائرة الوصول. لكنه يدعو إلى إعادة تصوّر جذري لكيفية تصميم هذه البرامج وتنفيذها وحوكمتها. وفي هذا السياق، تبرز ثلاثة اتّجاهات:

  • النماذج الهجينة: الجمع بين قنوات الدّفع الرقميّ وآليات التوزيع التقليدية، مع إتاحة خيار حقيقي للمستفيد. وتُعد تجربة الأونروا في بعض مناطق الضفة الغربية نموذجاً يستحق الدراسة.
  • التصميم التشاركي: إشراك المستفيدين – ولا سيما النساء وكبار السن – في تصميم آليات التحويل قبل إطلاقها، لا بعد أن تتكرّس إشكالياتها. وهو نهج تدعو إليه مبادرة الإصلاح العربي عبر ملتقى المنطقة العربية للحماية الاجتماعية.[10]
  • ضمانات السيادة على البيانات: صياغة أطر قانونية إقليمية تمنع استخدام بيانات المستفيدين لأغراض أمنية أو سياسية، وتكفل حقّهم في الوصول إلى معلوماتهم ومعرفة كيفية استخدامها.

وعلى صعيد المناصرة، تحتاج المنطقة إلى أطر تنظيمية واضحة تُلزم برامج التحويل النقدي الرقمي بمعايير تضمن الشمول الفعلي، بما في ذلك تحقيق معدّل وصول لا يقل عن 90% من الفئات المستهدفة، وتوفير آليات بديلة تضمن استمرارية الوصول إلى المساعدات عند تعذّر استخدام القنوات الرقمية، فضلاً عن فرض حظر صريح على استخدام بيانات المستفيدين لأي أغراض غير مرتبطة بتقديم الحماية الاجتماعية والمساعدة.

الكرامة ليست تطبيقاً

الحماية الاجتماعية، في جوهرها، ليست مجرّد تحويل مالي؛ بل هي تأكيد أن للفرد حقوقاً، وأن المجتمع ملتزم بصونها حين تتعرض للخطر. أمّا الكرامة التي ينبغي أن تتجسّد في لحظة تلقّي المساعدة، فلا تُختزل في سرعة المعاملة أو انخفاض تكلفتها لدى الجهة المنفِّذة.

حين يعجز كبير السن عن الوصول إلى مستحقاته لأنه لا يجيد استخدام التطبيق، وحين تتلقّى المرأة مساعدتها عبر حساب زوجها لأن البنية الرقمية لا تستوعب واقعها، وحين تنقطع المساعدة الطارئة في غزة لأن الشبكة مقطوعة وأجهزة الشحن مدمرة، لا تكون الرقمنة حلاً في هذه الحالات؛ بل امتداداً للأزمة بأدوات مختلفة.

والأخطر من ذلك كلّه أن الحماية الاجتماعية، حين تتحول إلى خوارزمية في يد دولة تفتقر إلى الرقابة الديمقراطية، أو في يد جهات دولية تضع مصالحها المالية فوق حقوق المستفيدين، قد تتحول من درع يحمي المواطن إلى آلية تُحكم السيطرة عليه.

فالرقمنة أداة، والأدوات تخدم الأهداف التي صُمّمت من أجلها. فإذا كان الهدف هو الوصول إلى الجميع وصون الكرامة، فلا بدّ من بناء النظام انطلاقاً من احتياجات أكثر المستفيدين هشاشة، لا من متوسط الكفاءة الرقمية، ولا من مصالح الجهات التي تمسك بزمام تشغيله.


[1] الاتحاد الدولي للاتصالات، تقرير قياس المجتمع الرقمي 2023: الفجوة الرقمية بين الجنسين في منطقة الدول العربية، 2023.

[2] لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا)، المسح الاجتماعي للمنطقة العربية 2024: مؤشرات الإدماج الرقمي، 2024.

[3] البنك الدولي، قاعدة بيانات Global Findex 2024: الشمول المالي في المنطقة العربية، 2024.

[4]وزارة التضامن الاجتماعي المصرية، “مايا مرسي: إضافة 50 ألف أسرة جديدة لبرنامج تكافل وكرامة”، 14 آب/أغسطس 2024، متاح على https://www.moss.gov.eg/ar-eg/Pages/news-details.aspx?nid=3444

[5]برنامج الأغذية العالمي، التقرير القطري السنوي: فلسطين، 2024، متاح على https://www.wfp.org/operations/annual-country-report?operation_id=PS02&year=2024؛ وبرنامج الأغذية العالمي، التقرير القطري السنوي: اليمن، 2024، متاح على https://www.wfp.org/operations/annual-country-report?operation_id=YE02&year=2024

[6]    الإسكوا، المسح الاجتماعي للمنطقة العربية 2024.

[7]    الاتحاد الدولي للاتصالات، تقرير قياس المجتمع الرقمي 2023.

[8]    أوكسفام، الوصول إلى التحويلات النقدية للنساء في اليمن، 2023.

[9] كارنيغي للشرق الأوسط، “الاقتصاد السياسي للبيانات الاجتماعية: فرص ومخاطر رقمنة منظومة الاستهداف بالمغرب”، أيار/مايو 2025.

[10]مبادرة الإصلاح العربي/ملتقى المنطقة العربية للحماية الاجتماعية، مقالات مدونة “تضامن”، 2024–2025.

إخلاء المسؤولية: باستثناء المقالات المنشورة في مدوّنة تضامن ومحتوى صفحات الموارد، فإن جميع المواد الموجودة على هذا الموقع، بما في ذلك الصور المرفقة، مُفهرسة من مصادرها الأصلية. وتبقى جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لأصحابها.